الحياة:محادثات الأسد - الحريري أعقبتها رغبة قاطعة لديهما بضرورة التواصل
تمر زيارة رئيس مجلس الوزراء اللبناني سعد الحريري لدمشق في 18 كانون الأول (ديسمبر) الماضي واجتماعه بالرئيس السوري بشار الأسد في مرحلة اختبار النيات، وهي الآن قطعت شوطاً على طريق فتح صفحة جديدة وصولاً الى تطبيع العلاقة بين البلدين التي تنتظر زيارة ثانية له لم يحدد موعدها حتى الساعة وان كان لا مانع من حصولها وتتوقف على الانتهاء من مراجعة الاتفاقات المعقودة بين البلدين لتكون محور جدول أعمال محادثاته مع نظيره السوري محمد ناجي عطري.
وفي معلومات خاصة بـ "الحياة" ان محادثات الأسد - الحريري أعقبتها رغبة قاطعة لديهما بضرورة التواصل عبر القنوات المتفق عليها لمواكبة كل طارئ، وهذا ما تجلى في اتصالات مباشرة بينهما من حين الى آخر، وآخرها الاتصال المطول الذي أجراه معه الحريري الجمعة الماضي، وأحياناً من خلال المتابعة التي يتولاها بشكل خاص المستشارة السياسية والإعلامية لرئاسة الجمهورية السورية للشؤون الخارجية الدكتورة بثينة شعبان ومدير مكتب رئيس الحكومة اللبناني نادر الحريري، فيما سجل للمرة الأولى توجه المدير العام لقوى الأمن الداخلي اللواء أشرف ريفي منفرداً الى دمشق واجتماعه برئيس الاستخبارات العامة اللواء علي مملوك وتركز البحث على الشؤون الأمنية التي تخص البلدين وكيفية التنسيق في هذا المجال في إطار المهمة المناطة بقوى الأمن الداخلي.
وبحسب المعلومات أيضاً، فإن "تيار المستقبل" الذي يتزعمه الحريري يمضي قدماً باتجاه التكيف مع نتائج محادثاته في دمشق، وكذلك أيضاً "قوى 14 آذار" وخصوصاً القوى المسيحية فيها التي لم توافق على الزيارة فحسب وانما أخذت تتصرف منذ اليوم الأول لحصولها على انها داعمة لها.
وفي هذا السياق، قالت المصادر المواكبة للزيارة لـ "الحياة" انه كان للبيان الذي صدر أول من أمس عن مصدر قيادي بارز في "المستقبل" وقعه الإيجابي في قطع الطريق الى الموقف المنسوب للرئيس السوري في حديثه الى مجلة "نيويوركر" الأميركية لا سيما بعد التوضيح الذي نقلته "الحياة" عن مصدر سوري.
وسألت المصادر كيف سيكون تأثير هذا الكلام على الساحة اللبنانية لولا التواصل القائم بين القيادة السورية والحريري والذي كان وراء السيطرة على الموقف العام ودفعه باتجاه التأكيد على الرغبة في التعاون انطلاقاً من قرار الأخير بفتح صفحة جديدة بين البلدين؟
وإذ اعتبرت المصادر نفسها ان البيان الصادر عن مصدر قيادي بارز في "تيار المستقبل" جاء ليؤكد ان اختبار النيات في محله وان التواصل بين الطرفين ضروري لحماية الجهود القائمة لتطبيع العلاقة، قالت في المقابل ان البيان الذي صدر الأحد الماضي عن قوى 14 آذار لمناسبة التحضير لإحياء الذكرى الخامسة لاستشهاد رئيس الحكومة السابق رفيق الحريري جاء ليدعم التوجه العام للحريري اذ خلا من أي شائبة يمكن أن يستغلها البعض في لبنان للتأليب على موقف الأطراف المسيحيين المتحالفين مع رئيس الحكومة.
ولفتت المصادر عينها الى ان النص السياسي الذي اعتمد في بيان قوى 14 آذار اختير بدقة لمنع البعض من الذهاب في تأويلاته بعيداً الى حد تقديم موقف الأطراف المسيحيين وكأنهم يغردون خارج السرب بعد الزيارة التاريخية للحريري لدمشق.
وأكدت ان قوى 14 آذار على اختلافها لن تعطي ذريعة لبعض المتضررين بتوفير مادة سياسية دسمة لهم يمكنهم من التأسيس عليها لإلقاء المسؤولية على حلفاء الحريري في التقليل من أهمية الزيارة على الأقل في المدى المنظور، ودورها في تنقية العلاقة بين البلدين من الشوائب والوصول بها الى بر الأمان بما يخدم المصالح المشتركة للشعبين اللبناني والسوري.
وتابعت: "قوى 14 آذار ماضية في قرارها في التكيف مع المرحلة السياسية الجديدة المترتبة على محادثات الأسد - الحريري وإلا ما هو التفسير للأسباب التي أملت على قياداتها التوجه من اللبنانيين مع اقتراب الذكرى الخامسة لاستشهاد الحريري بخطاب هادئ خلا من أي هفوة سياسية أكانت من هنا أم هناك؟".
وأضافت: "معظم القوى والشخصيات السياسية المنتمية الى 14 آذار عندما اتخذت موقفها من الكلام الذي صدر عن أمين سرّ "فتح" الانتفاضة العقيد سعيد موسى (أبو موسى) بشأن رفضه تسليم السلاح الفلسطيني خارج المخيمات خلافاً لما أجمع عليه مؤتمر الحوار الوطني الأول المنعقد في البرلمان في آذار (مارس) 2006 بدعوة من رئيسه نبيه بري، ارتأت ان تميز بينه وبين دمشق".
وبكلام آخر فإنها حصرت انتقاداتها بأبي موسى من دون أن يصدر عنها أي موقف يمكن أن يوحي وكأنها تخطط لدخول في اشتباك مع سورية باعتبار ان مكاتب "فتح" الانتفاضة موجودة في دمشق وان قياداتها تقيم فيها.
واعتبرت المصادر نفسها أن 14 آذار تتصرف الآن في تعاطيها مع الموقف السوري من القضايا السياسية المطروحة في لبنان، على أنها تعطي فرصة جديدة لقرار الحريري بفتح صفحة جديدة مع دمشق.
ولاحظت هذه المصادر ان سورية دولة وحزباً، قادرة على التكيف بسرعة مع زيارة الحريري لها خلافاً للقوى والشخصيات المنضوية في 14 آذار، لكن هذا لا يعني ان الأخيرة ترفض التكيف بمقدار ما انها في حاجة الى وقت أطول.
وعزت السبب، على سبيل المثال، الى ان "المستقبل" ليس حزباً لديه التنظيم الهرمي الذي تستطيع قـــيادته وبكبسة زر الانقلاب عل مواقـــفها الســـابقة بســرعة تـــتجاوز سرعة الصوت انما هذا لا يغفل ورشة العمل الناشطة بين كوادر ونشطاء التيار لتوحيد الخطاب السياسي وتوفير الدعم لخطوة رئيسه التاريخية باتجاه دمشق.
ورأت ان الجهد الخاص الذي يبذله الحريري ومعه فريق عمله والقيادات الرئيسة في "تيار المستقبل" له دور في اجتياز المرحلة السابقة من العلاقة بسورية الى مرحلة سياسية جديدة تصب في خانة خدمة قرار رئيسه بفتح صفحة جديدة مع دمشق، لا سيما انه يتولى شخصياً معالجة بعض ردود الفعل أو المواقف التي يحاول البعض استغلالها ليقول ان الحريري في مكان وان معظم كوادر التيار في مكان آخر، ناهيك بالتأثير الإيجابي للمواقف الصادرة عن قائد "القوات اللبنانية" سمير جعجع في تعاطيه الإيجابي مع الزيارة اعتقاداً منه ان ليس في السياسة من خصومة دائماً وان الحفاظ على الاستقرار العام يبقى فوق كل اعتبار.
وعليه فإن الحريري نجح في إحداث نقلة نوعية في الخطاب السياسي لقيادات وكوادر "المستقبل" وهو بذلك أسقط رهان البعض على أن زيارته دمشق ما هي إلا محطة عابرة لن تحدث تحولاً في العلاقة بين البلدين مع ان جزءاً من هذا البعض منقسم منها ولا يريد أن يعطي لنفسه فرصة من التأمل تقوده الى تبديل رؤيته، مع ان السبب يكمن في أن مصالحه الشخصية "ستتضرر منها بخلاف فريق لا بأس به من المعارضة سابقاً بدأ يتعامل معها على أنها وثبة على طريق تصحيح العلاقة بين البلدين وتصويبها في الاتجاه الذي يخدم الشعبين خصوصاً أن الحريري ينطلق في تدعيمها من ضرورة التنسيق في الملفات ذات الارتباط المباشر بالوضع في المنطقة وطمأنة سورية الى وجود رغبة قاطعة بعدم السماح باستخدام الأراضي اللبنانية في ما يؤثر سلباً على أمنها القومي".
المصدر:صحيفة الحياة السعودية